|
|
|
| الشريعة وتصحيح النظرة المشوهة للمال |
|
| بقلم: د. محمد العبدة |
|
اهتم الإسلام بموضوع المال، وسماه القرآن خيرًا، وركز على وظيفته الاجتماعية، فعن عمر رضي الله عنه قال: كان النبي يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر مني، حتى أعطاني مرة مالًا، فقلت: أعطه أفقر مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذه فتموَّله، وتصدق به، فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف، ولا سائل، فخذه، وما لا، فلا تتبعه نفسك) [متفق عليه، رواه البخاري، (7163)، ومسلم، (2453)].
ولأهمية المال قال يوسف عليه السلام لعزيز مصر: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]، (فهو قد طلب أهم ما يتوقف عليه إدارة الملك وسياسته وتنمية العمران، وما أضاع ملك المسلمين وغيرهم من الشرقيين في هذه القرون الأخيرة إلا الجهل والتقصير في إدارة النظام المالي وتدبير الثروة وحفظها سواء في ذلك الدولة والأمة) [مجلة المنار، رشيد رضا، (35/17)].
ليس من الإسلام في شيء أن يتحول المسلمون إلى أصحاب الحظ الأدنى، وأصحاب اليد السفلى، وإن السَّرف وعدم الاهتمام بالمال لا يصلح عليه دين ولا دنيا: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29].
جمع الغرب في القرون الأخيرة ثروات هائلة، جمعها من طرق صحيحة كالتجارة والصناعة، ومن طرق أخرى كالسلب والنهب من ثروات الأمم في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، ثم استثمر هذه الثروة وأقام عليها دنيًا قوية ومؤسسات عملاقة جعلته يتغلب على بقية الناس ويتسلط على المسلمين، وعندما يرى المسلم الضعيف هذه الحالة يقول من باب التعويض النفسي (لهم الدنيا ولنا الآخرة).
الإسلام لا يبيح لأتباعه نهب ثروات الأمم كما فعل الغرب، ولكن الإسلام يحث على الاستفادة من المال في سبيل الخير، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال) [متفق عليه، رواه البخاري، (2277)، ومسلم، (12)]،(واليد العليا خير من اليد السفلى) [متفق عليه، البخاري، (1429)، ومسلم، (2432)].
ولكن المسلمين في حالة من التقهقر الحضاري، رجعوا إلى التبذير والسفه؛ حيث لا يقدر المال وينفق في الأغراض الخاصة، وفي الشهوات والمظاهر الفارغة، وحب السمعة والجاه، ولا يستخدمون المال في النفع العام وتقوية جبهة الإسلام.
جاء في كتاب شذرات الذهب: (ويقال أن المنصور العباسي خلَّف في الخزائن مئة ألف ألف [مئة مليون] دينار، وستين ألف ألف درهم، ففرقها المهدي [ابنه والخليفة من بعده] ولم يل الخلافة أحد أكرم منه ولا أبخل من أبيه) [شذرات الذهب، ابن العماد، (2/306)].
فلننظر إلى هذا التقويم العجيب، الخليفة الحازم المدبر للدولة يسمى بخيلًا عند هؤلاء، فكيف تتراكم الثروة وتكون الدولة قوية وتؤسس المشاريع، إذا كان المال يهدر على طريقة المهدي.
هل يطلب الفقر؟
يقول العلامة ابن الوزير: (وحيث يرد الذم على حب الدنيا مطلقًا أو عامًا، فالمراد به: حب الحرام من الدنيا والإعراض عن الدين، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) [رواه مسلم، (7079)]، ولو كان الغنى نقصًا في الدين، وحبه رذيلة لا يليق بالمؤمنين لم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا امتن الله عليه في قوله: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى: 8].
وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفقر، وأما حديث (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا) [متفق عليه، رواه البخاري، (6460)، ومسلم، (2474)] فقد فسره النووي بسد الرمق، وليس كذلك، وإنما القوت: كفاية الحاجة) [العواصم والقواصم في الذب عن أبي القاسم، ابن الوزير، (8/190-195)].
فالفقر لا يمدح ولا يطلب، وقد جعله الله عقوبة لبعض الأمم {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]، وجعل الله الخير مكافأة على الاستقامة {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَس |
|
|
|
|
|