|
|
|
| لا إنكار في المختلف فيه |
|
| بقلم: د. عمرو عبد الكريم |
|
مسائل الاجتهاد هي تلك المسائل التي لا نص فيها من كتاب أو سنة أو إجماع، أو جاء فيها النص لكنه ليس خاليا من المعارض القريب له في القوة من حيث الثبوت أو الدلالة أو من حيث كلاهما معًا. وهي لا يسوغ الإنكار فيها إلا ببيان الحجة وإيضاح المحَجّة لا الإنكار المستند إلى محض التقليد؛ فإن هذا فعل أهل الأهواء والجهل، كما يقول شيخ الإسلام الإمام المجدد ابن تيمية، عليه رحمة الله. لذا فإن الأمور الاجتهادية ليست محلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما محله ما كان مجمعًا عليه من الواجبات والمنهيات الشرعية، نعم: يجوز لمن ترجح عنده مذهب من المذاهب في قضية من القضايا أو حكم من الأحكام أن يدل على أدلة الترجيح وأن يندبه إلى الراجح على سبيل النصيحة أي يُتكلم فيها بالحجج العلمية فقط. وفي الفتاوى سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن يقلد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد: فهل يُنكر عليه أم يهجر؟ وكذلك من عمل بأحد القولين؟ فأجاب: "الحمد لله مسائل الاجتهاد من عِمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكَر عليه ولم يُهجَر ومن عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان: فإن كان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به وإلا قلد بعض العلماء الذين يُعتمد عليهم في بيان أرجح القولين والله أعلم" انتهى كلام ابن تيمية وما أنفسه من بيان وما أعظمه من كلام. ويقول ابن رجب الحنبلي: والمنكر الذي يجب إنكاره ما كان مجمعًا عليه، فأما المخُتَلَف فيه، فمن أصحابنا من قال لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدا أو مقلدا لمجتهد تقيدا سائغا. ويقول ابن قدامة المقدسي في مختصر منهاج القاصدين: "ويشترط في إنكار المنكر أن يكون معلومًا كونه منكرا بغير اجتهاد، فكل ما هو في محل الاجتهاد فلا حِسبَة فيه. ولهذا يقول العلماء: إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة، وكان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يقول: ما سرني لو أن أصحاب رسول الله لم يختلفوا لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة". وكذلك قال الإمام مالك: "ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه"، وطبَّق ذلك عمليا عندما رفض دعوة الخليفة المنصور أن يحمل الناس على ما في الموطأ من أحكام، وقال: "إن أصحاب رسول الله تفرقوا في الأمصار وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم". كما نقل ابن مفلح في الآداب الشرعية عن الإمام أحمد: "لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهب ولا يشدد عليهم"، ويستثني من ذلك الإمام أبو يعلى ما ضعف الخلاف فيه وكان ذريعة إلى محظور". وجاء في إعلام الموقعين عن رب العالمين (جـ1/74) للعلامة ابن القيم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقي رجلا فقال ما صنعت؟ يعني في مسألة كانت معروضة للفصل فيها، فقال الرجل: قضى علي وزيد بكذا، فقال عمر: لو كنت أنا لقضيت بكذا.. قال الرجل: فما يمنعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه لفعلت، ولكني أردك إلى رأيي والرأي مشترك". رضي الله عن عمر فلقد كان ملهمًا وكان ينطق بالحكمة. وإذا كان ليس للحاكم أن ينقض حكم غيره الاجتهادي، وليس للعالم أن يحمل الناس على رأيه، فمن باب أولى ليس لأحد المتناقشِين أو المتجادلين أن ينزل غيره غصبًا على رأيه وأغلب مسائل الاجتماع الإنساني هي من مسائل الاجتهاد التي لا يجوز فيها الإنكار على المخالف ما دام قد استفرغ وسعه في طلب الحق الذي يتعدد. وكان الإمام أبو حنيفة عليه رحمة الله يقول: "هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحدا عليه، ولا نقول: يجب على كل أحد قبوله بكراهية، فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به". وقال الإمام مالك: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب؛ فانظروا في رأيي؛ فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما خالف فاتركوه". رحم الله أئمتنا الأعلام الذين كانوا مصابيح الهدى وشموس الدجى، معرفة بالحق ورحمة للخلق وسعة للصدر وحلما على الناس واحتراما للمخالف.
|
|
|
|
|
|